قراءات- «ليتنى لم أقابل نفسى» .. القضايا الكبرى فى التفاصيل الصغيرة

مقالات واراء
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

فى عام 2009 رحبت الأوساط الأدبية بفوز الكاتبة الرومانية الألمانية "هيرتا موللر" بجائزة نوبل للآداب. أثنت لجنة تحكيم الجائزة على قدرتها على وصف فضاء المقهورين بتكثيف شعرى ووضوح نثرى. ففى رواياتها وقصائدها ومقالاتها تعود موللر بإلحاح إلى ما عانته فى حياتها من قهر وديكتاتورية ونفى. فى أعمالها السردية تتوقف موللر عند التفاصيل الصغيرة فى تداعى حر، ولكن فى تلك التفاصيل يتجلى الرفض والنقد للقهر وكل ما يسىء لإنسانية الإنسان.

ولدت موللر عام 1953 فى رومانيا، وهى تنتمي للأقلية الألمانية التى استوطنت إقليم "بانات" هناك، منذ القرن الثامن عشر. تعرضت تلك الجالية الألمانية للقهر والاضطهاد والترحيل الجبرى للعمل فى معسكرات تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية، بعد التحول الشيوعى لرومانيا، بعد الحرب العالمية الأولى. ومن هؤلاء كانت والدة هيرتا موللر. واستمرت السياسة الشيوعية الرومانية فى ملاحقة من بقى من هؤلاء الألمان. ولرفضها التعاون مع الجهاز الأمنى الشيوعى لتشاوشيسكو فى رومانيا تعرضت هيرتا موللر للملاحقة الأمنية حتى تمكنت من الهجرة إلى ألمانيا عام 1987. ومن وقتها تعيش فى برلين وحصلت على العديد من الجوائز الأدبية المرموقة فى ألمانيا.

فى أعمالها تلح موللر على العودة إلى المنفى والقهر والملاحقة الأمنية فى رومانيا، حتى تصبح رواياتها جميعًا شذرات لسيرتها الحياتية، وعن ذلك تقول: "من أكثر التجارب تأثيرًا فى حياتى، المعاناة فى ظل النظام الديكتاتورى فى رومانيا. ولا تستطيع الحياة فى ألمانيا، على بعد مئات الكيلو مترات، أن تمحو تلك التجربة، فقد حشدتُ كل خبراتى الماضية عند الرحيل".

تأتى روايتها "ليتنى لم أقابل نفسى اليوم" (1997) من أهم أعمال موللر التى تزخر بالتفاصيل الصغيرة المفعمة بالدلالات والإيحاءات. يدور السرد فى الرواية حول شابة تعمل فى مصنع للملابس فى حكم تشاوشيسكو فى رومانيا، ويتم استدعاؤها يوميا لمقابلة مسئول الأمن. وفى رحلة الذهاب اليومى تتداعى ذكريات الماضى للتتشابك مع مشاهد من الواقع، فى خط سردى متذبذب ومتعرج يزخر بالتفاصيل الصغيرة ذات الدلالات الكبرى. الرواية ترجمها إلى العربية الدكتور مصطفى ماهر، أستاذ الأدب الألمانى بكلية الألسن، (2011) مستعيدًا العنوان  الأصلى فى اللغة الألمانية، وكانت قد تُرجمت من قبل إلى الإنجليزية بعنوان "الموعد". فى مقدمة ثرية للترجمة العربية يقول دكتور مصطفى ماهر: "ويضم كتاب "ليتنى لم أقابل نفسى" (1997) فى حنايا نص روائى وقائع من سيرتها الذاتية وتصور تعرضها لملاحقات الجهاز الأمنى اللاإنسانى الذى يضمن للديكتاتورية طول البقاء مستخدمًا أحط وسائل الترويع والتهديد وتحطيم الإرادة والطموح والأمل. ويمكن أن نعتبر هذه الرواية المتفردة واسطة العقد أو قمة الإبداع فى هذا اللون القديم الحديث". ويواصل دكتور مصطفى ماهر تحليله النقدى العميق للرواية، فيرى أنه رغم البناء البوليسى لها، إلا أن "هذا القالب يتحور ليواكب الموضوع الرئيس وهو موضوع سياسى نقدى فى المقام الأول، ولينسجم مع الخط السردى الذى يتأرجح بين السيرة الذاتية وبين مشاهد الظلم والتزييف والقهر وضياع حقوق الإنسان واختلال الموازين والعجز عن الفهم". يدور السرد بضمير المتكلم. فالرواية، كما يؤكد دكتور مصطفى ماهر فى مقدمته، "على لسان شخصية امرأة فى مقتبل العمر مطلوبة للمثول مرارًا وتكرارًا فى ساعة محددة أمام ضابط فى الجهاز الأمنى يحقق معها بلا نهاية. ولا يسير السرد فى تسلسل زمنى بل يختلط الزمان والمكان وتتشابك الخيوط وتتداخل المشاهد والملاحظات وتتركز حول أفراد مختلفين، وأحداث اجتماعية مضطربة ومناظر بشعة. وتختلط فيها مغامرات غرامية وعلاقات غامضة".  ويضيف: "الرواية تتقلب فى هذا المجتمع المقهور بين أحداث لا يكاد واقعها يقترب من الوضوح حتى يكتنفه الغموض من جديد، وتحتار الراوية فى أمرها فهى فى كيانها المحطم لم تقابل نفسها".

يتشظى السرد فى فقرات منفصلة متصلة فى آن. فى مستهل الرواية تلقى الكاتبة بخيوط السرد متشابكة:

"أنا مطلوبة للحضور يوم الخميس فى تمام الساعة العاشرة. أصبحت أُطلب للحضور على نحو متزايد ظل يتزايد على الدوام: يوم الثلاثاء فى الساعة العاشرة، يوم السبت فى تمام الساعة العاشرة، يوم الأربعاء أو يوم الاثنين. كأنما كانت السنوات أسبوعًا، ودُهشت فعلًا لأن الصيف المتأخر يقترب من نهايته ويوشك الشتاء أن يعود". تستقل الساردة الترام إلى حيث موعدها مع مسئول الأمن. وفى الطريق إلى محطة التراب تستوقفها تفاصيل الطبيعة الصغيرة تختلط بخواطر تُستدعى إلى ذهنها متفرقة فى غير انتظام: "فى الطريق إلى الترام تعود شجيرات الخميلة عليها التوت البرى الأبيض يتدلى مجددًا من خلال الأسيجة. تشبه أزرارًا من الصدف خيطت متجهة إلى أسفل وكادت تنفذ فى التربة، أو تشبه كُريات من الخبز. وثمار التوت البرى أكثر بكثير من أن تُقارن برءوس عصافير بيضاء لُفت مناقيرها إلى وراء، ولكننى لابد من أن أفكر فى رءوس عصافير بيضاء. إنها تحدث بى دوارًا. الأفضل أن أفكر فى نتف الثلج فى النجيل، ولكنها تسبب الضياع، والطباشير يسبب السبات". وفى الترام تلتقط الساردة مشاهدات دقيقة للركاب تختلط بالذكريات التى تتداعى حرة، لتنفرج خيوط السرد شيئًا فشيئًا عن سيرة حياة الساردة مفعمة بدلائل القهر والفقر والبؤس. ففى فقرة سابقة من السرد المتشظى تذكر الساردة أنه فى مصنع الملابس حيث تعمل اعتادت أن تخيط رسائل فى جيوب البنطلونات المرسلة إلى إيطاليا تطلب زوجًا، وسرعان ما اكتُشف الأمر فتعرضت لمزيد من الملاحقات الأمنية. تتداعى تلك الذكرى إلى ذهنها مختلطة بمشاهد دقيقة للبؤس والفقر لركاب الترام: "الطفل ينام فى الشمس. الأب يأخذ منه المنديل، أصابعه تستسلم، ويستمر فى النوم على الرغم من أن الأب يثنى ذراعه إلى الوراء ويدس المنديل فى جيب الجاكتة. وعلى الرغم من أنه يباعد بين ساقيه مسافة، ويقلب الطفل جاعلًا ظهره إلى أمام، ويقف ويسند فم الطفل المفتوح على سعته إلى كتفه. بعد قليل تأتى المحطة أمام مكتب البريد الرئيس. يحمل الطفل إلى الباب. الترام يقف، عربة الترام تبدو دون حفيف أكثر فراغًا. السائق يمد يده إلى سميطة الكييفل الثانية ثم يتردد ويشرب من الزجاجة. لماذا يشرب قبل الأكل. أمام مكتب البريد صندوق الخطابات الأزرق الكبير، كم خطابًا تجد لنفسها فيه مكانًا. إن يكن علىَ أن أملأه فسيكون عليهم أن ينتظروا إلى الأبد ليفرغوه. منذ الكروت المرسلة إلى إيطاليا لم أكتب لأى إنسان. ولكن بين الفينة والفينة يقص عليك بعضهم شيئًا، ويتحتم عليك أن تتكلم، لا أن تكتب".

على مدى أكثر من 360 صفحة تتشظى الحكايات والذكريات ويختلط الماضى بمشاهدات من الحاضر، وتشترك تفاصيل الطبيعة فى رسم مشاهد من القهر والفقر والبؤس على خلفية تاريخية من الديكتاتورية السياسية فى رومانيا الشيوعية، الموضوع الملح على شتى أعمال هيرتا موللر.