تاسيس دولة رومانيا

معلومات للمغتربين
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
كتب محمد ناصر
"رومانيا بلد قومي، ذو سيادة، مستقل، موحد ،و أراضيه غير قابلة للتجزئة، و نظام الحُكم في رومانيا هو النظام الجمهوري" الفقرتين الأولى و الثانية من المادة الأولى من الدستور الروماني لعام 1991 و المعدل في عام 2003.
مرت الدولة الرومانية بعدة مراحل عبر التاريخ في طريق الوصول إلى الشكل الحالي للدولة الرومانية، و اقد اجمع معظم المؤرخين على أن أول من أسس نظام حكم لرقعة جغرافية تضم أجزاء واسعة من الأراضي الدولة الرومانية الحديثة حاليا، كان "بورِبيستا"، الذي استطاع حوالي سنة 80 قبل الميلاد توحيد قبائل "الجِتو-داتش" تحت حكمه الذي امتد من سواحل البحر الاسودالغربية حتى اجزاءمن اراضي بلغاريا، صربيا، هنغاريا، بولندا، و سلوفاكيا الحالية في القارة العجوز لتشكل دولة عرفت بإسم "داتشيا" ، و قد اتخذ من مدينة "سارميزِجِتوسا" التي تقع في اراض رومانيا اليوم، و تعد احد المواقع المُدرجة في قائمة مواقع التراث العالمي لليونيسكو، و بعد مقتل "بورِبيستا" على يد أفراد من الطبقة الارستقراطية في داتشيا بعد أن استشعروا فيه نزعة قوية للتفرد بالحكم، خاصة بعد مقتل خصمه السياسي " يوليوس قيصر"، حيث كان "بورِبيستا" قد انحاز في الحرب الأهلية في الإمبراطورية الرومانية الى صف "بومبِي" خصم "يوليوس قيصر" السياسي، بعد مقتل "بورِبيستا" تفتت الدولة الى عدة أجزاء ,الى ان جاء الملك "دِتشِبال" او ("دِكِبالوسْ" على حد وصف المؤرخ الروماني "نياغو دجوفارا") ،الذي يعد اخر ملوك داتشيا قبل قيام الإمبراطورية الرومانية بالسيطرة على داتشيا في عهد الإمبراطور الروماني" ترايان" او كما يُعرف بإسم
" تراجان"، و قد لاحظت من قرائتي لبعض المصادر التاريخية ان سيطرة الإمبراطورية الرومانية على مملكة داتشيا قد تزامنت بالضبط مع سيطرة الإمبراطورية الرومانية على مملكة الأنباط التي كانت تتمد على أجزاء واسعة من اراض المملكة الأردنية الهاشمية حاليا، و ذالك مع سنة107ميلادي، بل ان اهم عوامل نجاح الإمبراطور "ترايان" بالسيطرة على مملكة داتشيا كانت جسر "ترايان" فوق نهر الدانوب في مدينة "دروبِتا تورنو سِفيرين"، و الدور الكبير الذي لعبه في تسهيل دخول قوات الإمبراطورية الرومانية، هذا الجسر قام ببنائه المعماري "ابولودور الدمشقي الذي هو نبطي بالمناسبة، و هو من قام بتخليد ذكرى انتصار" ترايان" في الحروب الداتشية الرومانية مثل خلال بناء عامود ترايان الموجود في روما عاصمة إيطاليا الحالية و نحت تفاصيل انتصار" ترايان " الى" انتحار "دِتشِبال" .
مع بداية سيطرة الإمبراطورية الرومانية بدأت مرحلة جديدة يمكن تسميتها
" الرومنة"حيث حلت اللغة اللاتينية محل الداتشية و شهدت دخول المسيحية خاصة في إقليم
"دُبروجيا "على البحر الأسود على يد القديس اندراوس، الذي يعد تاريخ 30 تشرين ثاني نوفمبر من كل عام ذكرى للاحتفال به في رومانيا و يوم عطلة رسمية، و تم تشييد العديد من الطرق و المدن مثل "كلوج نابوكا" ،و أصبحت داتشيا مقاطعة رومانية تحت اسم "داتشيا السعيدة" او "داتشيا ترايان "، و شهدت توافد المهاجرين من الإمبراطورية الرومانية بحثا عن الذهب و لاستغلال الأراضي الزراعية الخصبة، و استمر الأمر حتى قيام الإمبراطور الروماني "اورليان" بالانسحاب من "داتشيا "على مرحلتين ما بين أعوام 271 و275ميلادي، واضعا حدود الإمبراطورية الرومانية جنوب نهر الدانوب، و قد ربط المؤرخون بين الانسحاب و نضوب مناجم الذهب في داتشيا ,مستدلين على ذلك من العملات الذهبية الرومانية التي تعود إلى تلك الفترات و كيف تغيرت سماكة العملات و بالتالي كمية الذهب المستخدمة في تصنيعها، حيث كانت العملة الذهبية الرومانية قبل السيطرة على داتشيا بسماكة الورقة و بعد السيطرة كانت اسمك بكثير، لتعود الى سماكة اقل بعد الانسحاب.
 
"تعترف الدولة و تضمن حقوق المواطنين الرومانيين من المنتمين للأقليات العرقية المختلفة ، و تكفل لهم المحافظة و تنمية و التعبير عن هويتهم الإثنية، الثقافية ،اللغوية و الدينية،و ذلك وفق مبادئ المساواة و عدم التفرقة بين جميع المواطنين الرومانيين.
الفقرتين الأولى و الثانية من المادة السادسة من الدستور الروماني لعام 1991 و المعدل في عام 2003."
توقفنا في الجزء الأول عند إنسحاب الإمبراطورية الرومانية من اراضي" داتشيا " نحو جنوب نهر الدانوب في عهد الإمبراطور
" أورليان" ما بين أعوام 271و275ميلادي، و هنا بدأت حقبة الأقوام المهاجرة التي إتخذت اراضي" داتشيا " طريقاً نحو الوصول إلى مدينة روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية و أكثرها أهمية،أو الإستقرار و إستغلال وفرة الاراض الخصبة و مصادر المياه و الأهم طبيعة الشعب المسالمة التي و رغم مرور العديد من الاقوام المهاجرة حافظت على تواجد لم ينقطع تاريخيا و يمكن الاستدلال على ذلك من إسماء المدن و الأنهار و غيرها، و يمكنني القول ان الشعب في داتشيا كان قادرا على "رومنة" الاقوام المهاجرة .
و من الأمثلة على تلك الشعوب المهاجرة
" القوط" و هم قبائل جرمانية أصولها من "إسكندنافيا"،" الهون" و هم قبائل بدوية قدموا من آسيا الوسطى و بعد أن قهروا القوط إستوطنوا داتشيا ،و
" السلاف " او الذين عرفوا في المصادر التاريخية العربية بإسم الصقالبة الذين يمكن القول أنهم أكثر الأقوام المهاجرة تأثيرا في تشكل اللغة الرومانية و الشعب الروماني، و من المفارقات ان السلافية أصبحت الثقافة السائدة في كل الدول المحيطة في رومانيا " ما عدا هنغاريا"، و لكن في رومانيا انصهرت السلافية في بوتقة واحدة مع الثقافة الداتشية والثقافة الرومانية "الإمبراطورية الرومانية" لتنتج الهوية الثقافية الرومانية، و لتكون رومانيا الشعب اللاتيني الوحيد الذي يعتنق المسيحية الأرثوذكسيةالتي تعتبر ديانة معظم الشعوب السلافية الشرقية ماعدا البوشناق المسلمين و الكروات و السلوفانيين الكاثوليك، اي أن داتشيا استطاعت المحافظة على لاتينيتها الثقافية و هذا يدل على قوة التأثير الحضاري الذي تركته الإمبراطورية الرومانية في داتشيا رغم قصر مدة البقاء نسبيا، بينما دول مثل بلغاريا و صربيا تحولت عن اللاتينية و أصبحت سلافية الثقافة و الهوية اللغوية و الدينية،و أيضا كانت اللغة الرومانية هي اللغة الوحيدة التي كانت تُكتب بالحروف "الكيريلية" مثل الحروف المستخدمة حاليا في روسيا و صربيا و بلغاريا و غيرها، الا ان جاء الأمير الِكساندو يوان كوزا و حول نظام الكتابة إلى الأحرف اللاتينية المستخدمة حاليا و ذلك تقريبا في ستينيات القرن التاسع عشر.
و في نهايات القرن التاسع بدأ قوم مهاجر يسمى بشعب الكومان الذي يعد من الشعوب التركية، استيطان السهول الواسعة ما بين اسيا الوسطى و نهر الدانوب حتى عرفت تلك المنطقة بإسم كومانيا، و للكومان صلات قوية مع القبجاق او القفجاق الذين منهم المماليك الذين لعبوا دورا أساسيا في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، و ان كان المماليك في منطقة الشرق الاوسط قد اوقفوا زحف المغول، الا ان المغول كان سببا في نهاية دولة كومانيا و بل التمهيد لتشكيل الدولة الرومانية الحديثة، و يمكنني القول ان قطز و بيبرس قد انتقموا بشكل غير مباشر لاقاربهم في كومانيا بعد الانتصار في عين جالوت في فلسطين ، فالاجتياح المغولي لاوروبا قام حرفيا بمسح كل الدول في شرق اوروبا، مما أوجد فرصة الشعوب المحلية التي نجت من الاجتياح ان تبدأ تأسيس نواة دول جديدة، و ذلك لان كل الممالك المحيطة قد ابيدت لدرجة ان ملك هنغاريا القوي قد هرب الى جزيرة في البحر الادرياتيكي بالقرب من كرواتيا.
يعتبر المؤرخون أن باساراب الأول هو المؤسس الفعلي لإمارة الأفلاق التي تشكل اليوم الأجزاء الجنوبية من رومانيا الحالية و قد إهتم المؤرخون بأصول باساراب العرقية و هناك توافق على كونه من أصول كومانية، استطاع باساراب توحيد الحاميات و الاقطاعيات و تأسيس الإمارة بل في 1330ميلادي استطاع هزيمة الملك الهنجاري كارل روبرت في معركة بوسادا، و استطاع ضمان استقلال نسبي لإمارة الأفلاق بعيدا عن هيمنة المملكة الهنجارية.
لعب حكام مثل ميرتشيْا العجوز الذي بالمناسبة اخطأت المصادر اللاتينية في ترجمة لقبه من المصادر السلافية فهو الأقدم و ليس العجوز و هو خطأ وقع به الشاعر الروماني الأشهر ميهاي امينيسكو في قصيدته الشهيرة الرسالة الثالثة التي يصف بها انتصار ميرتشيْا و الافلاق" التكتيكي" على جيش للدولة العثمانية في معركة روفينه بقيادة السلطان بايزيد الصاعقة في 1395 ميلادي حيث وصف امينيسكو ميهاي بالعجوز و هو كان يبلغ من العمر اقل من 40عاما.
و بعد ميهاي الأقدم يعد فلاد المُخوزِق احد أشهر حكام الافلاق و هو بالمناسبة حفيد ميرتشيْا و ارتبط اسمه فلاد بإسطورة دراكولا,
اما في مولدوفا فيعد شتيفان العظيم أحد اهم حكام الإمارة و لعب دورا مهما في المحافظة عليها و نجح في الإنتصار في معارك فاسلوي على جيش للدولة العثمانية و في بايا على جيش للمملكة الهنغارية، و الذي للمفارقة كان يقوده ماتي كورفين و هذه الأسماء نجدها في النشيد الوطني الروماني في بداية الفقرة الرابعة حين يطلب الشاعر اندريه موريشانو من الرومانيين اتباع خطى اسلافه العظام شتيفان و كورفين إضافة إلى ميهاي الشجاع الذي استطاع توحيد الإمارات الثلاث الافلاق البُغدان "مولدوفا" الاردل "ترانسلفانيا" في دولة واحدة حوالي سنة 1600 للمرة الأولى منذ عهد دِتشِبال، فمن فرقتهم ارض المعركة جمعهم النشيد الوطني.